سيد محمد طنطاوي

574

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وهنا يرد عليهم ذو القرنين - كما حكى القرآن عنه بما يدل على قوة إيمانه وحرصه على إحقاق الحق وإبطال الباطل . فيقول * ( قالَ ما مَكَّنِّي فِيه رَبِّي خَيْرٌ . . . ) * . أي : قال ذو القرنين لهؤلاء القوم الذين لا يكادون يفقهون قولا : إن ما بسطه اللَّه - تعالى - لي من الرزق والمال والقوة . . خير من خرجكم ومالكم الذي تريدون أن تجعلوه لي في إقامة السد بينكم وبين يأجوج ومأجوج ، فوفروا عليكم أموالكم ، وقفو إلى جانبي * ( فَأَعِينُونِي ) * بسواعدكم وبآلات البناء * ( بِقُوَّةٍ ) * أي : بكل ما أتقوى به على المقصود وهو بناء السد ، لكي * ( أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ ) * وبين يأجوج ومأجوج « ردما » . أي : حاجزا حصينا . وجدارا متينا ، يحول بينكم وبينهم . والردم : الشيء الذي يوضع بعضه فوق بعض حتى يتصل ويتلاصق . يقال : ثوب مردم ، أي : فيه رقاع فوق رقاع . وسحاب مردم ، أي : متكاتف بعضه فوق بعض . ويقال : ردمت الحفرة ، إذا وضعت فيها من الحجارة والتراب وغيرهما ما يسويها بالأرض . قال ابن عباس : الردم أشد الحجاب . وجملة * ( أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ رَدْماً ) * جواب الأمر في قوله : * ( فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ ) * . ثم شرع في تنفيذ ما راموه منه من عون فقال لهم : * ( آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ . . ) * . والزبر - كالغرف - جمع زبره - كغرفة - وهي القطعة الكبيرة من الحديد وأصل الزبر . الاجتماع ومنه زبرة الأسد لما اجتمع من الشعر على كاهله . ويقال : زبرت الكتاب أي كتبته وجمعت حروفه . أي : أحضروا لي الكثير من قطع الحديد الكبيرة ، فأحضروا له ما أراد * ( حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ ) * أي بين جانبي الجبلين . وسمى كل واحد من الجانبين صدفا . لكونه مصادفا ومقابلا ومحاذيا للآخر ، مأخوذ من قولهم صادفت الرجل : أي : قابلته ولاقيته ، ولذا لا يقال للمفرد صدف حتى يصادفه الآخر ، فهو من الأسماء المتضايفة كالشفع والزوج . وقوله : * ( قالَ انْفُخُوا ) * أي النار على هذه القطع الكبيرة من الحديد الموضوع بين الصدفين . وقوله : * ( حَتَّى إِذا جَعَلَه ناراً ) * أي : حتى إذا صارت قطع الحديد الكبيرة كالنار في احمرارها وشدة توهجها * ( قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْه قِطْراً ) * أي : نحاسا أو رصاصا مذابا ، وسمى بذلك لأنه إذا أذيب صار يقطر كما يقطر الماء . أي : قال لهم أحضروا لي قطع الحديد الكبيرة ، فلما أحضروها له ، أخذ يبنى شيئا فشيئا